آفـاق الروايــة
وأزمـــة الجيـــل
اهتمت الرواية الكلاسيكية منذ أواخر الستينات باختراق أنماط الكتابة الروائية . كانت الرواية قد استنفذت أغراضها أو لم تعد تثير بشكل كاف معظم كتاب السرديات فى الرواية والقصة وتحديدا بعد أن ألقت النكسة بظلالها الكابية وانحسار المد الثورى وخواء الخطاب الأيديولوجى . كان من الطبيعى أن تظهر النزعات المتعددة عند الكتاب الذين لجئوا إلى اكتشاف مواطن الخلل ، ومواجهة فكرة البطل الاشكالى الذى يتعارك مع المجتمع بقيمه الاستبدالية مكتشفا زيفها واصلا إلى صيغة جديدة للتعامل . فتراجعت الواقعية التسجيلية على أيدى روادها فى مصر وبرزت أنماط من الروايات تمثل اختراقا للمعنى الكلاسيكى للبطل سائرين على درب الرواية الجديدة التى تقوم كما نرى على مجموعة من المعارضات . وإذا كانت المعارضات السالبة التى يراد بها مناهضة الأشكال والقوالب التقليدية للفن الروائى ، فإنها سرعان ما تتحول إلى قواعد إيجابية لبناء نوع فريد وثورى من القص (1) ..
إن هذه النزعة نحو التجديد لم تجرف أيضا الروائيين إلى اعتناق رواية البطل المضاد حسب مفهومها الغربى وإنما قدمت البطل المهزوم ـ كما فى رواية سمير الفيل ظل الحجرة ـ وهشمت الشكل الصارم فاتحة أبوابا جادة للاستفادة من الرمزية فى كتابة الرواية السياسية كإفادة جمال الغيطانى من ابن إياس لاستشراف القاهرة المملوكية . ولكن إلى هذا الحد كانت خصوصية المكان واستيعابه بكل مكوناته التراثية والفلكلورية والشعبية لم تتبلور بعد .
وفى هذا البحث نجد أن صلاح والى فى عائشة الخياطة لم يستفد فقط من الاسطورة بل خلق أسطورته الروائية وفعَّل الموروث الشعبى ليقدم رواية مغايرة تماما للواقعى وأضفى على الشخصيات بعدا عميقا مستوحى من الوعى القروى ورغم أن رواية عبد العزيز عبد المعز لعبت فى نفس المنطقة بالتنقيب فى أعماق ذلك الوعى . إلا أنها توقفت عند استلهام الخرافة وبعثتها من منطقة الظل من جديد وطرحتها على سطح الرواية فامتزجت دماؤها بدماء النص .
عائشة الخياطة
صلاح والى(2)
إذا كان الفن رسالة تحوى عددا لا يحصى من الأسئلة المهمة التى تجوس فى خلجات الانسان بحثا عن ماهية الوجود وسر الحياة وتفرد الذات فالنص الأدبى يخلق ذلك المعادل الموضوعى عن واقع الانسان وعلاقته بذاته وبعالمه وهو ليس معنيا بالاجابة بقدر ما هو معنى بالسؤال والاحتواء والتشكيل الفنى الجديد والجيد الذى يتميز بقدرته على اختراق الوجود بحثا عن إجابة .
رواية عائشة الخياطة تمتص هذا الوعى الجمعى بحكاياته الشعبية وخرافاته القديمة وأحلامه وأوهامه وكوابيسه وأسئلته التى لا تجد جوابا وشخوصه المدفوعين بحمى الكشف ورغبة الوصول وشخوص أخرى ذات قدرات خاصة هم حملة الأسرار كأبناء الآلهة القدماء فى الأساطير الإغريقية والفرعونية حطوا على أرض السكاكرة المكان الخاص / الأسطورى " كما قشرت السكاكرة عشب قدميها فكان الكون " ص 108 .
إذن ثمة وجود خاص لقريته / السكاكرة فهى أول القرى التى أبدعها زارعو القرى " لهذا فإن إبداعا أشد تميزا ـ كوجود السكاكرة ـ لا بد أن تتبعه فترة راحة .. وهم فى راحتهم يدخلون إلى سراديب اليوم السابع ويتدفقون عرقا ويغيبون فى الضباب وتمضى فترات طويلة من الراحة ثم يعودون لاستئناف زراعة القرى أو مهام أخرى جديدة " ص117 .
كأبناء آلهة من حواليهم تنتشر الشخوص العادية / النمطية الساعية لكشف المستور ومعرفة الأسرار رغبة فى الوصول لكينونة الوجود الخاص بهم فهم يسعون لمعرفة حكاية عائشة الخياطة فيتعثرون فى فاطمة السبعة أمها وفى شلبية وحبيبة وحنونة وست الدار وهؤلاء من ذوى القدرات الخارقة يرون الكافورة تسقط فجأة ثم تنهض والمحشى ينضج على كوانين النار فى بيت حبيبة ولا أثر له حينئذ يكتشفون أنهم عند أول طريق المعرفة يحومون كالفراش حول النار .
ولأن الأسطورة حاولت أن تجسد الوعى لدى الإنسان الأول تجاه الكون لتعكس رغبتهم فى اختراق السر والمعرفة فهى حسب تعريفها الوظيفى لفراس السواح " هى قصة تعليلية تفسر الأبطال والمعتقدات وغيرها وغرضها تفسير وجود العالم والحياة والموت والإنسان والوحوش والطقوس المقدسة والعادات وما إلى ذلك من الظواهر الغامضة" ( 3) .
أيضا تولدت الخرافات والحكايات الشعبية بعدما عرف الإنسان الإستقرار والتجمع وظهرت القوانين وتشكل الوعى الجمعى فتحدد الزمان وتعين المكان وتبلورت الحكايات حاملة معان أخرى أقرب للإدراك كما جاء فى رواية عائشة الخياطة وهو تنمية تلك الحكايات بل وتوليدها / خلقها .
فهل توقف الكاتب عند استعراض حكايات الجن والعفاريت وتصوير خوارقهم بينما الإنسان يقف مصابا بالدهشة والارتباك .
إنه تجاوز تلك النظرة التقليدية للموروث الشعبى بل قام باختراقه بشخوص كفاطمة السبعة المولودة لخلاصة سبع عائلات من الجن والإنس هى خلاصة الغناء وروح المكان المحتشد بالغموض والخرافة وإليها تنتسب عائشة الخياطة مع إحاطة مولدها بالغموض وتعدد الحكايات حولها وعدم تحديد من تكون أمها أهى حبيبة أم شلبية أم حنونة أم فاطمة السبعة وانتقالها / ولا أقول موتها حين تتحول إلى هشيم / كعالم الجن الذى يموت محترقا ومتحولا إلى رماد ثم حلولها فى عائشة جديدة يجعل منها شخصية أسطورية .. وامتلاك شخوص كشلبية وعائشة وحبيبة والعم حفنى وعثمان النجار لقدرات خاصة / خارقة أليس هو الآخر تكوينا أسطوريا يقترب من أبناء الآلهة فى الأساطير القديمة ، الذين هبطوا ليعيشوا بين الناس وليس بينهم وبين الآلهة حجاب . ولا فارق بين العوالم السفلية والأرضية .. الكاتب فى الرواية يعيد انتاج الحكايات الشعبية والأسطورية روائيا مشكلا أسطورته الخاصة لقريته ذات الطابع والقدرات الخاصة أيضا من خلال شخوصها وأشجارها ومائها وحكاياتها وعوالمها الغرائبية / العجيبة فى بناء روائى متميز .
البناء الفنى :
اتخذ الكاتب فى بناء روايته ثلاث مستويات سردية متداخلة ومتجادلة تنهض بتشكيل الرواية ويتبلور خلالها الوعى الشعبى والأسطورى والرؤية الكونية .
أولا ـ سرد واقع السكاكرة فى حالاتها الطقسية ومواسم الحصاد وتزاوج الكائنات والأفراح وتجمع الصحبة الليلية للسمر من خلال مجموعة شخوص نمطية هى شكرى وحنكش وسعيد المتوكل والرمح والشيخ عباس وأهالى السكاكرة الذين يتحلقون حول من يفتح باب الحكايات ولأنها شخوص يؤرقها السؤال تبحث دوما عن الحقيقة وتناقش أصل ووجود الحكاية الشعبية وتحاول كشف الغموض والإلغاز الملتبس حولها للوصول إلى ماهية المكان وشخوصه الأسطورية كعائشة الخياطة وغيرها .
هؤلاء الشخوص يتوسلون بآخرين ذوى مكانة خاصة لأنهم يمثلون أصل القرية وحملة تاريخها ودائرة معارفها وسرها المكنون كالعم حفنى وعثمان النجار وشلبية لذلك تتكرر لقاءاتهم الليلية ، خلاصا من وحشة الظلام وضيق النفس يبتغون تسلية لياليهم الرتيبة وحياتهم الغامضة فيواجهون الحكايات والخوارق ويعودون دوما برغبة أشد . تدل تلك الشخوص برغائبها الغامضة على محاولاتها الدائبة فى اختراق ما وراء الواقعى ويمثلون بلقاءاتهم وأحاديثهم نبض القرية على المستوى الواقعى عاكسين مكنون الوعى القروى وولعه بعوالمه الغرائبية مشاركين بذلك فى تنمية هذا الوعى وأيضا فى خلق وحدات سردية تهاجم الشخوص الأخرى ذات الوجود الأسطورى والشعبى وتحوم حولهم دون الوصول . وهى فى ذات الوقت شخوص تعمل فى الرواية كأدوات فنية تفتح مجال الإلغاز والتشويق وتفعيل السرد وبلورة صورة تلك المجتمعات القروية الآخذة فى الزوال مؤكدة ـ من خلال رؤية الراوى ـ أن سعيها وسؤالها عن هذا الغموض يقودها إلى أسرار عجائبية أخرى تستحق الاهتمام والاحتمال من أجل الوصول إلى المعرفة وفك شفرات حياة القرية بكل أبعادها الأسطورية . يرون الكافورة تسقط فجأة أثناء التفافهم حول شلبية أمام حقل الذرة لتفسر لهم طلاسم نسب عائشة الخياطة والقطة السوداء ومروقها من جدار بيت عائشة فيفرون هلعا بينما سعيد المتوكل يشاهد الأغرب نهوض الكافورة مرة أخرى وهم بسؤالهم وعدم تصديقهم للوجود الأسطورى لعائشة الذى ترويه شلبية والعم حفنى تصعقهم رؤية الكافورة ومشاهدة سعيد المتوكل فلا يصدقهم الشيخ عباس ويلح فى سؤال شلبية فى موضع آخر فيشاهد بعينه مرة أخرى سقوط ونهوض الكافورة فتصيبه حمى الرؤية ويعالجه عثمان النجار برقية شعبية هو وحده الحامل أسرارها " قال عمك عثمان النجار : السبع كلمات المنجيات التامة والكاملة . فنسى عمك عباس ما حدث له وذهبت عنه الحمى إلى بلادها " ص93 .
حتى عائشة تتوقف أمام موت الرمح وهى ذات علم بالعوالم السفلية ومن حملة الأسرار أمام علم ومعرفة عثمان النجار شاهدة بقدراته الأكبر منها .
وهذا المستوى السردى يمثل الشريحة الأكبر من الرواية ويخلق جدلا يتجاوب ويقترب أحيانا من واقعية حياة القرية فى حركتها ومراسم طقوسها حتى يكاد الراوى أن يختفى تاركا مساحات للحوار ولتبادل وجهة النظر بين شخوصه مما يمنحهم حرية التواجد والتحقق . شخوص الرواية تتنوع حسب مستوى قربها أو بعدها عن العوالم الخفية للقرية فشخوص المستوى السردى الأول تقف عند تخوم هذا العالم يصدمها وعى أكبر من قدراتها وطاقاتها الإدراكية فلا تملك إلا أن تصدق ما رأت وإن تنافى هذا مع التموضعات الواقعية وهذا ما يرسبه ويؤكده الفكر الأسطورى .
وشخوص أخرى ذات حياة خاصة وقدرات خارقة تتبلور فى عائشة الخياطة وفاطمة السبعة والعم حفنى وعثمان النجار وشلبية وحبيبة وحنونة هؤلاء يقومون بخلق الأسطورة الروائية ويشكلون سياقا سرديا آخر .
ثانيا ـ خلق الأسطورة وتوليد الحكايات الشعبية وحكايات الجن ويتم فى هذا السياق السردى المزج بين عالم الجن وعالم الإنس بين الواقع والخفى ـ الإدراك وعالم الأسرار وبين الشخوص فى السياق الأول والشخوص الأخرى ذات القدرات الخاصة .
فاطمة السبعة جاءت تتويجا لهذا التزاوج بين عالمين فأمها من خلاصة ثلاث عائلات من الإنس / المغنيين ووالدها الجنى الأحمر الذى هام بأمها حبا من خلاصة تزاوج ثلاث عائلات من الجن الأحمر والأسود / المغنيين أيضا .
وبمولد أم فاطمة ـ ماتت عائلات الإنس .
وبمولد الجنى الأحمر ـ ماتت عائلات الجن .
تلك الملامح فى التزاوج تعكس وعيا أسطوريا نفاذا .
" وفى إحدى المرات كان الحيض قد أتى أم فاطمة فذهبت لتستحم وهناك ظهر لها الجنى وأخذ ملابسها فغنت له فحن وأعطاها ملا بسها من الماء وعادت معه إلى الخارجة عشقها الجنى أكثر من الأول وإن كانت مازالت تخافه ، فظهرت أغانى الهجر والعشق والصد واللوعة والحب " ص41 . واتفاقهما على الزواج كان بشروط أربع : منها أن يغنى كل واحد منهما للآخر ألف ليلة والأحسن غناء تكون العصمة فى يده وكسبت أم فاطمة الرهان .. من يحمل كل تلك الأسرار ويحكيها هو العم حفنى فى ليلة ممطرة سمع فيها أهل السكاكرة غناء فاطمة السبعة حيث تراقصت جدران السكاكرة وكل موجوداتها . وبنفس هذا الطقس تولد عائشة الخياطة آخذة رقبة فاطمة السبعة فى إطار عجائبى فريد لم يرد من قبل " فقامت فاطمة واستحمت هى والمولودة ثم أمسكت السكين وفصلت رأس الطفلة عن جسدها والرقبة عن الرأس ووضعتهما جانبا ثم أشارت لحبيبة لتكمل ، فقامت حبيبة بفصل رأس فاطمة عن رقبتها ثم عن صدرها ثم أبدلت الرقبتين معا " ص46 .
وما كل تلك الأفعال الأسطورية إلا لكى يتبقى الغناء ويمتد فى ربوع وبين جدران السكاكرة لأنه يمثل امتداد الحياة وخصوبتها كما نلاحظ ذلك عندما غنت عائشة فى موسم الحصاد زادت الغلال وفاضت . ثمة علاقة روحية بين الغناء وصفاء الروح وتجليها بين الأسطورة وحياة القرية ، فبدون هذا الغموض الذى يكتنف الشخوص ويتولد فى الحكايات ليس ثمة خصوصية أو تميز . لهذا تلتحف عائشة بالأستاذ أحمد وتتوحد معه عبر مستوى لغوى يصل إلى درجة الحلول والتماهى الصوفى حيث أن الأستاذ هو الموكل بحمل الرسائل وتوصيلها بعد عائشة وإبلاغها للناس ( ربما يكون ذلك الإبلاغ على المستوى الدلالى هو سرد الكاتب لروايته تلك عن عائشة ووجودها الأسطورى المتضمن حياة قريته بكل أسرارها وشخوصها ) وعلى مستوى الحكاية التعليلية تتخلق أسطورة البرتقال بدمه نتاجا لاقتتال الجنى المارق الطامع فى فاطمة السبعة مع والدها الجنى الأحمر وتنتهى المعركة بقتل الأخير فتتشرب أشجار البرتقال دمه وفى العام التالى تثمر برتقالا بدمه .. وتتزوج حبيبة بالرمح بعد زمن طويل ـ من السيطرة عليه بقوتها الخفية ـ تحت الماء فى إشارة إلى حدوث طوفان إذا تم