سارة تقابل القمر 0000 القصة الفائزة بجائزة سوزان مبارك لادب الطفل2005

كتبها عبدالحكيم محمود ، في 13 أبريل 2007 الساعة: 23:16 م

رادوبى الجميلة تعود

  كان هذا الصباح مختلفا بالنسبة لسارة  ، فأمواج من السعادة كانت تحملها ، ونسمات الصباح الباردة التى طالما كانت تلسعها وهى تتخفى منها بملابسها الشتوية الثقيلة فى طريقها لمدرستها ؛ كانت اليوم بمثابة دغدغات محببة على وجنتيها المكتنزتين ، وزاد وجهها الوردى تألقا ، وأخذت عيناها تشعان ببريق مضئ كالشمس ، وهى تودع والدتها على عتبة منزلها وتشير إليها فرحة نشوانة .فاليوم ، وبعد أن تؤدى امتحانها الأخير ، سوف تذهب فى رحلة طالما حلمت بها ؛ لتزور المعابد والآثار الخالدة فى مدينة الأقصر هى وجميع زملاء فصلها .كانت سارة شغوفة بالتاريخ ، ودائما ما تجد فيه لذة ، وكانت ذاكرتها القوية الواعية إلى حد يدعو إلى العجب تثير دهشة مدرسيها عندما تستشهد ببعض الفقرات الطويلة المقتبسة من أحد كتب التاريخ التى قرأتها وكانت دوما ما تساعد زميلاتها فى حل المسائل المعقدة أو شرح بعض القواعد الصعبة عندما تطلب إحداهن المساعدة ، ولكنها اليوم وفى وقت الامتحان طلبت هالة منها أن تتهجى لها كلمة من الكلمات ، فرفضت سارة أن تجيبها مما أثار الفتاة عليها ثورة شديدة ، واتهمتها بالأنانية وعدم التعاون .فى فترة الفسحة دارت مناقشة حامية حول تصرف سارة هذا ، وكان من رأى الكثيرات من زميلاتها أن سارة ارتكبت عملا مخالفا لحقوق الزمالة بينما ظلت سارة متمسكة برأيها وقالت لهم "إننى مستعدة دائما أن أقدم العون لكل إنسان فى وقت الشدة ، لكنى لن أقدم على تلقين الجواب لأحد أثناء الامتحان لأننى أرى فى ذلك عملا مخالفا لأصول الأمانة " .ظلت سارة مشغولة البال مترددة ، هل ما فعلته هو الصواب ؟! أم كان عليها ألا تخاطر بصداقة زميلاتها باتباعها ذلك الأسلوب ؟ حتى لاحظت مشرفة الفصل انشغالها وعدم اندماجها مع زميلاتها فى الغناء والمرح أثناء الرحلة ، اقتربت منها بود وسألتها عما يشغلها ، فحكت لها ما حدث متسائلة "هل كنت على صواب فيما فعلت" ؟ .فأجابتها الأستاذة سماء "اسمعى يا سارة لا خير فى الصداقة التى تشترى بالتساهل فى المبدأ ، وكان أوجب على زميلاتك أن يفهمن هذا وأن يحترمنك من أجله لأنهن يرون أنك لا تطالبينهن بأكثر مما تطالبين به نفسك" .أزال حديث الأستاذة سماء غلالة الحزن من قلب سارة ورويدا رويدا أخذت تندمج مع زميلاتها وتردد معهن أغانى الرحلات الجميلة …………………..……………………………………………………………………………………سارت الرحلة على خير وجه والبنات فى سعادة وانبهار مما يشاهدن من معابد وأعمدة وتماثيل ومسلات تنطق بمجد الجدود العظام وهن يتنقلن بين معبد الأقصر فى البر الشرقى ثم إلى معبد الكرنك والرمسيوم ، يتأملن النقوش والرسوم على الحوائط ، يتعجبن من وادى الكباش ، ويتساءلن فى دهشة "كيف أمكن لهؤلاء الجدود العظام رفع هذه الأحجار الضخمة وتلك المسلات المبهرة الممتدة فى عنان السماء ؟، وهل حقا شيدوها بالقسوة وتسخير العمال والفنانين الذين قاموا ببنائها ؟." .وهنا جاءت الأستاذة سماء لتقول "إن هذه الآثار الخالدة لم يشيدها هؤلاء الملوك بالسخرة إنما كانوا يستخدمون العمال عندما تغمر مياه الفيضان أراضيهم ولا يكون لديهم ما يشغلهم من أعمال الزراعة كما دلَّتنا النقوش الأثرية ووثائق البردي ، على أن فرق العمال كانت تحظى بنصيب كبير من رعاية الملك وعمال حكومته وتكريمهم .. والآن هيا بنا نلحق المعدية لكى نتم زيارتنا لمعبد الدير البحري ومنه إلى وادى الملكات فى البر الغربى لكى تتعرفن على نوع آخر من أنواع الفن المعمارى الخالد" …………………………أخذت البنات تتدافعن لركوب المركب فى فرح وانشراح ، وأثناء ذلك اصطدمت سارة بزميلتها هالة وكادت تقع عليها من شدة الاندفاع .فما كان من هالة إلا أن سخرت منها وقالت لها "انتبهى يا ذات العيون الأربع..!!". أثارت الكلمة حزنا شديدا لدى سارة لازمها طوال رحلة المركب .. فالتمست لنفسها ركنا بعيدا وأرادت أن تبكى لكنها تماسكت ؛ وأخذت تفكر "كيف لهذه الفتاة أن تلومها على شئ لا يد لها فيه ؟! وكيف تعتبر أن كونها تلبس نظارة طبية يتعبر شيئا مشينا تستحق أن تلام عليه ؟!" .لم تدر سارة كيف وصلت المركب إلى البر الغربى ولا متى وصلت المجموعة إلى وادى الملكات إلا عندما جاءها صوت الأستاذة سماء وهى تقول "أنظرن يا بناتى !! أنظرن كيف تحتوى زخارف المقابر غير الملكية هى الأخرى على أروع اللوحات التى تصف الحياة العادية فى مصر !! فعقيدتهم أن المقبرة هى البيت الذى تسكنه روح الميت وزخارفها هى التى توفر المناخ الصحيح للتمتع بالسعادة الأبدية بعد أن يكون الإنسان قد أبلى بلاء حسنا فى إعمار حياته بالكثير من الأعمال الصالحة والنافعة له ولوطنه " .ومن مكان إلى مكان أخذت سارة تشعر بالتعب بجانب إحساسها العميق بالحزن لإهانة زميلتها لها .. حتى انتابتها رغبة ملحة بعدم الاستمرار فى الحركة مع المجموعة ، وتوقفت بجانب إحدى الصخور المتواجدة على حافة الجبل فى ذلك الوادى الفسيح ، لكن فضولها دفعها لكى ترى ما وراء هذى الصخرة الضخمة .. فأخذت تدور حولها حتى وجدت فتحة صغيرة يخرج منها شعاع وحيد . دخلت منها يدفعها فضولها لاكتشاف المجهول وكان عجبها شديداً عندما وجدت الفتحة تؤدى إلى ممر .. وعلى حوائط الممر زخارف عجيبة كأنها رسمت للتو والممر يؤدى إلى ردهة مستعرضة .. وهناك ممر آخر متقاطع مع الردهة ، وفى نهاية الردهة جهة الغرب نُقِرتْ كوةٌ  بها تمثال رائع لفتاة غاية فى الحسن والجمال ، والكوة فى أعلى مكان من الحائط وأسفله تابوت حجرى كبير مغطى بغطاء من الرخام الأبيض منحوت على شكل صاحبة التمثال فى أعلى الحائط .كان التعب قد أدرك سارة ولم تدر بنفسها إلا وقد سقطت من الإعياء بجانب التابوت ………………………لم يمض وقت طويل حتى وجدت سارة يداً حانية تربت على خدها فى شفقة ورقة .. ففتحت عينيها وأغمضتها مرات عدة لا تصدق نفسها .. إنها نفس صاحبة التمثال فى أعلى الحائط ونفس الرسم المنقوش على الحائط وغطاء التابوت .. لكنها أمامها تربت على خدها وتكلمها وتقول بصوت ملائكى شفيف "شكرا لك يا عزيزتى على زيارتك ، لقد مضى وقت طويل لم يزرنِ فيه أحد وأنا أشعر بالوحشة والحزن لذلك . لكن زيارتك لى أدخلت السعادة والسرور والبهجة على روحى" .ثم قالت لها "ما اسم أميرتى الصغيرة ؟."قالت سارة بصوت متهدج مرتعش : " اسس اسس اسمى سارة !!"أجابت صاحبة المكان "مرحبا بك يا سارة كم هو جميل اسمك .. وأنا اسمى رادوبى."أحست سارة بالأمان لصوتها الحنون وشعرت بالراحة والهدوء تجاهها فقالت "أهلا بك يارادوبى ، اسمحى لى أن أهنئك على جمال بيتك هذا، إنه يشبه بيوت الملكات، لا بد أنك ملكة ، هل هذا صحيح ؟ "سعدت رادوبى بإطراء سارة وقالت "أشكرك يا سارة على حسن قولك فهذا هو بيتى فعلا .. لكننى لم أكن ملكة كما تظنين إنما إحدى الأميرات ، ولى حكاية مشهورة نقشت على أوراق البردى آلاف المرات . كيف لم تقرئينها ؟. شعرت سارة بالخجل من رادوبى ولكنها استطردت بصوت متلهف "هل لى أن أسمعها يا رادوبى الجميلة ؟ "قالت رادوبى : بكل سعادة "نعم بالطبع فأنا أحب أن تعرفي أيتها الصديقة قصتي ؛ كنت طفلة جميلة لأب تاجر ثرى حنون يدعى (سنوفر) وأم صالحة تدعى (تننت) ..نعيش فى قصر عامر يطل على شاطئ النيل العظيم فى مدينة
(منف) ترفرف علينا أجنحة السعادة ويظلنا الإله العظيم برحمته …..
لكن الأيام لا تدوم على حال ؛ فقد أصاب والدتى الحنون مرض خطير ولما أحست بدنو أجلها نادت علىّ وأجلستني بجوارها على الفراش وقالت لى "يا ابنتى الحبيبة لقد حانت ساعة رحيلى إلى العالم الآخر حيث أكون فى انتظاركم لنلتقى بعد حين ولن تمهلنى الأيام حتى أرى ملاكى الصغير أجمل عرائس منف وأنت تزفين إلى قصر فارسك المنتظر .. لكنى واثقة أن الإله لن يتخل عنك حتى تتحقق أمنيتى ، لكنى أرى أباك في عنفوان قوته وشبابه لابد أنه سيتزوج يوماً من امرأة أخرى وسوف يكون لك إخوة وأخوات من امرأة أبيك ، ولابد أن جمالك هذا سيكون مصدر غيرتهم وحسدهم ، ولسوف تتعرضين للحقد والاضطهاد وليس عليك إلا الصبر والإيمان بالإله الواحد فهو وحده الذي سيحميك".مدت يدها تحت وسادتها ، وتناولت صندوقاً من خشب الصندل مطعم بالذهب والأحجار الكريمة ، وقالت: احفظي هذا الصندوق في مكان آمن فهو صندوق مجوهرات أمك التي ورثتها عن عائلتها وأجدادها وفيها قلادة "حتحور" الجميلة التي لا تقدر لتحفظ عليك جمالك وتحميك من الغدر، احتفظي بها ولا تعيريها لأحد ، ولا تضعي التميمة على صدرك إلا يوم أن تزفي إلى عريسك في معبد حتحور إلهة الجمال .ثم قدمت لي صندوقاً آخر من الأبنوس المطعم بالفضة وقالت : وهذا الصندوق يا ابنتي به حذاء نفيس ليس له مثيل وهو من جلد الغزال الذهبي اللون ومطرز بخيوط الذهب والمرصع بالإحجار الكريمة لكن قيمته يا رادوبي الحبيبة ليست في جماله فحسب بل إن له ميزة أخرى وهي أنه لن يتسع لقدم فتاة سواك ، كما أنه سيكون مصدر حظ عظيم لك في مستقبلك ، حافظي عليه واحفظيه في مكان أمين لا تراه عين مخلوق ، ولا تمتد إليه يد وسوف ترتدينه عندما يحين الأوان .وطبعت قبلة عميقة على جبيني وهي تسلم الروح .دمعت عينا سارة وهي تسمع هذا المشهد المؤثر لوفاة الأم ، لكن رادوبي مسحت الدمعة التي تلألأت فوق خدها ، وخلعت نظارتها وأخذت  تنظفها بقطعة من الكتان الأبيض الناعم ثم ألبستها إياها وهي تقول : لا عليك يا سارة ، فهذا ما قد كان وهو مصير البشر أجمعين ، ولم يمر وقت طويل حتى صدقت النبوءة وتم ما قالته أمى الغالية فلقد تزوج أبى مرة أخرى وأنجب من زوجته بنتين ………………………………وتمر الأيام وينشغل أبى عن زوجته وبناته بالعمل ، ولكن مكائد زوجة أبى كانت تكثر يوماً بعد يوم ومحاولاتها للوقيعة بيني وبين أبي لا تتوقف …ورويداً رويداً تركني أبي فريسة لزوجته التي أخذت تعاملني كخادمة في بيت أبي ، أو وصيفة لابنتيها .. وأصبح كسائي هو ملابسيهما القديمة وطعامي هو فضلاتهن ، وكن يقلن لضيوفنا إنني مجرد خادمة البيت ولست اختهن …!وذات يوم اكتشفت زوجة أبي وهي تفتش خزانة ملابسي صندوق مجوهرات أمي الغالية فأخذته وأخفته عندها ثم ذهبت لكبير الصاغة واستبدلته بمصاغ آخر لابنتيها ، حتى لا يقال إن المصاغ الذي تتزينان به هو المصاغ المسروق وعندما اكتشفت ضياع الصندوق تملكني الحزن والجزع ، وأخذت أبكي وليس لي من أشكو إليه أمري سوى الإله الواحد .. لكني عندها خفت على الصندوق الآخر فأخذته في الليل عندما نام الجميع وذهبت به إلى شجرة الورد التي تطل على بركة السباحة وهي الشجرة التي زرعتها أمي وأنا بعد طفلة ، لتنمو معي وألعب في ظلها .. وحفرت حفرة في ظل الشجرة أخفيت فيها الصندوق كما أوصت أمي في مكان لا تراه عين ولا تصل إليه يد …وتمر الأيام والسنون وحياتي تسير من سئ لأسوأ بينما صار جمالي في نضوج مستمر تحسدني عليه أخواتي ويحس كل من يراني أنني سيدة البيت وهن وصيفات لي .. !!وذات يوم بينما البلاد تستعد لأعياد الربيع ، يعلن الأمير ابن فرعون أنه سيختار عروساً ينتقيها من بين فتيات منف الجميلات وحدد لذلك أحد أيام العيد ليقيم حفلاً في حدائق قصره ، وفي اليوم الموعود استعدت الفتيات من جميع أنحاء البلاد وأرسلت كثير من العائلات الكبيرة في أنحاء البلاد بناتها لتجربة حظهن ، خاصة أن الدعوة كانت مفتوحة لجميع الجميلات ، ويومها استعدت الأختان ولبسن أفخر الثياب وأجمل المصاغ ولكنني لم أفكر في طلب مصاحبتهن ولو كوصيفة ، ذلك لأنني لم أكن أملك ما يمكن أن أرتديه خارج المنزل أو حتى داخله ، إذا ما قام أحد بزيارتنا ولكنهن لم يكتفين بتركي وحيدة في القصر بل اغلقن عليَّ أبواب القصر ومنافذه حتى لا يكون أمامي مجال للخروج أو الهرب …وعندما وجدت نفسي وحيدة في القصر أحسست برغبة في الخروج إلى الحديقة للتمتع بشمس الربيع ونسماته وزهوره وأشجاره ، وما أن وصلت إلى شجرة الورد الحبيبة حتى أسرعت إليها متلهفة ، وأخرجت الصندوق وأخذت أتأمل الحذاء الجميل بداخله الذي أخفيته طوال أعوام ، وتملكتني رغبة شديدة في تجربته وارتدائه بعد أن أصبحت شابة كاملة الأنوثة ..ونظرت إلى قدمي فهالني قذارتهما من طول الإهمال وحرماني من الاستحمام في البركة التي بنيت خصيصاً لي حينما كنت وحيدة أبوي المدللة ..وضعت الحذاء الجميل على حافة البركة وخلعت ملابسي ونزلت لأستحم في غيابهن وأنا مطمئنة أنهن لن يعودن قبل منتصف الليل عندما ينتهي الحفل.وبينما أنا في عز النشوة والسعادة تغمرني ، إذ بطيور الحديقة قد توقفت عن التغريد وهربت لتختفي بين الأغصان !! فقد شاهدت نسراً ضخما يرفرف بجناحيه محلقاً فوق الحديقة باحثاً عن فريسة .. وفجأة !! يلمح النسر الحذاء الذهبي المرصع باللألئ فيظنه فريسة طيبة فينقض عليه في لمح البصر ويخطف أحد فردتي الحذاء الجميل ويحملها بين مخلبيه وبحلق بعيداً في الفضاء حتى يمر فوق مكان المهرجان فتفزعه دقات الطبول والدفوف وصوت الموسيقى ، فيسقط الحذاء من بين مخالبه ليستقر بين يدي الأمير الشاب ، وهو جالس فوق المنصة فأذهلته المفاجأة فإذا به يقلب الحذاء بين يديه ، ويتأمل رقة منظره وجماله وألوانه وصياغة الأحجار الكريمة التي ترصعه وأخذ يتخيل الصورة الرائعة لصاحبة الحذاء وأيقن أن الأمر قد حسمه الإله وأراحه من الاختيار !!..أخذ الأمير يحدث نفسه : من صاحبة هذا الحذاء الرائع الذي أرسلته السماء ؟! لابد أن صاحبته رائعة الجمال وفوق مستوى البشر ..غادر المنصة مشغول البال وكان ذلك إيذاناً للجميع أن يعودوا إلى بيوتهم ، والتفت إلى حراسه وقال لهم : لابد من العثور على صاحبة هذا الحذاء أينما كانت ، لابد أن تحضروا أي فتاة تتسع قدمها لذلك الحذاء بشرط أن تدلنا على فردته الأخرى ..تقول سارة في أسىً : ولكن ماذا فعلت بعد أن ضاع منك صندوق المجوهرات أولاً ثم ها هو الحذاء الجميل أيضاً ، كان الله في عونك يا رادوبي . قالت رادوبي : حزنت حزناً شديداً بالطبع وبكيت أياماً لكن ما كان يصبرني هو يقيني أن الإله عادل لا يظلم أحداً ، وأنني لم أقترف أي ذنب ولم أبادر بالأذى لأي مخلوق وأنه لابد ناصري ولو بعد حين .قالت سارة : وماذا قال الأمير بعد ذلك ؟قالت رادوبي : أخذت الأيام ت
المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ادب الحرب

كتبها عبدالحكيم محمود ، في 13 أبريل 2007 الساعة: 21:19 م

علبة من القطيفة الحمراء

قصة قصيرة

صيف سكندري مر كحلم جميل بعد أن فتح لقلبي المغلق أبواباً من البهجة أنعشت مسام روحي لتلقي كل ما في هذه المدينة الساحرة من جمال ونشوة ..

 كيف لي أن أغادرها و

 قد عشقتها من أول يوم .. من أول سحابة أمطرت فوق رأسي المتعب .. من أول لحظة على شاطئها الثري المفعم بالحياة والصخب وهاأنا امضي نحو المجهول .

فاليوم تعلن نتيجة الدورة التخصصية ح . ح ونوزع على الوحدات ، إحساس مقبض ينتاب المرء عندما يكون مصيره معلق في قرار يصدره آخرون .

وكانت المفاجأة صاخبة !! "حلايب" .. آخر نقطة في الجنوب الشرقي .. يا لها من مفارقة عجيبة !.. أحلم بالإسكندرية فأذهب إلى حلايب .

كان حلمي .. مكان أنعم فيه بالسكينة .. أمارس دوري دونما مشقة ولكن أنى لي أن أفر من قدري!!

عندما دلفت من أسوار الكتيبة ، كانت صدمتي قاسية ، هاهو مقر القيادة ، مجموعة من الخيام المتناثرة في وادٍ منبسط تحت القيظ والهجير فكيف يكون حال النقاط .

كان قائد الكتيبة رجلاً مرحاً ، متفهماً ، استقبلني استقبالاً طيباً ، وطمأن خاطري وكرر على مسمعي الكلمات التي طالما يرددها القادة من أن الضابط الاحتياط كالضابط العامل ، وأن كلٌ يؤدي دوره في خدمة الوطن ، وعلى الفور تم إلحاقي بالسرية الأولى المتمركزة على خط ممتد لمائة كيلو من "غُبَّة عيسى" و "مرسى شلال" و "سواكن" و "سروح أبو رماد" وكان قائد السرية برتبة "الرائد" .. رجل متوسط القامة كبير الرأس ذو عينان ضاحكتان وصوت خافت، ما أن رآني حتى ألقى على رأسي جميع المهام، مما أكسبني خبرة كبيرة في وقت قصير، كان همه الدائم هو تأخر ترقيته وإحساسه بالغبن لوجوده في هذا المكان المنفى، لذلك كانت إجازاته تطول، حتى تمكن أخيراً من الانتقال إلى مكان أقرب إلى بيته وأبنائه .

فجأة وجدت نفسي مكلفاً بقيادة السرية لحين وصول من هو أقدم مني، كان يؤلمني استجابة أفراد السرية من الجنود وتراخي صف الضباط في أداء المهام ، وكان التحدي بالنسبة لي كبيراً ، كيف أتعامل مع هؤلاء الناس وأغير من نظرتهم الفاترة نحوي .

كان لدي العديد من الرقباء وكل منهم يرى نفسه أحق مني بهذا الموقع ، نظراتهم فاترة ، يحيونني بتراخٍ وأعينهم تقول أنهم يمثلون دوراً غير جادين فيه ، كان أحدهم يرفع يديه لتحيتي وكأن بها أكياس الرمل حتى كلمة أفندم كانوا يستكثرونها فيقولونها بتراخْ "تمام يا فندي"

كان علي أن اعد قرار قائد السرية في ضوء المهام الموكلة وتنظيم التعاون وتحديد المهام للوحدات الفرعية فصائل وأفراد لكني لم أكن راضياً أبداً عن مستوى جنودي لقد أخذتهم حياة الجبل القاسية وأصبح جل همهم إعداد الطعام وتوفير المياه والقيام بخدمات صورية ، طلبت من مساعد السرية تنشيط الأفراد وإعادة تأهيلهم ، فتعلل بأنه "هجان" ولا يفهم في مواضيع التعليم الأولي ، شرحت لقائد الكتيبة الموقف وطلبت منه إرسال أحد المساعدين ذوي الخبرة لمعاونتي في تجديد حيوية السرية ، نظر لي نظرة متعجبة تحمل ألف معنى وابتسم ولم يجيب ..

كان يوماً من أيام يناير الباردة والريح تعوي طوال الليل والمطر المنهمر ينقر نقرات منتظمة على نافذتي مما حرمني النوم .

جاءني صوته كالحلم كصوتٍ يأتي من المجهول ونقرات على باب اس

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

لبرىء

كتبها عبدالحكيم محمود ، في 4 أكتوبر 2007 الساعة: 18:49 م

Get this widget المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

البرج قصة من ارشيف العربى

كتبها عبدالحكيم محمود ، في 15 أبريل 2007 الساعة: 06:53 ص

البرج برج الجزيرة؟!  نعم هناك…فوق..فوق ولماذا يا بنت الناس البرج.البرج عال عال..ويصيبنا الدوارعندما نترك الناس على الارض ونراهم اقزاما صغارا..تمتد القاهرة تحت اقدامناهينة الوصول وانا الذى اسير فيك يا قاهرة وقدماى تورمتا من المسير انت هنا المنزوية فى ركن بيتكم الصغير بين اخوتك البنات تنطقين اسم البرج فى تعال .وتثيرين الغيرة داخلهن والفلس بجيبى ولا اشاركك سوى القبول بالامس شممتى للاشياء رائحة نفاذة  هى الرائحة المنبعثة من جدران البيوت …من جيوبى وتتشدق امى وامك بها مع النسوة فى الشارع الضيق الذى يجمع بيتنا وبيتكم ولكن البنات .. البنات يا منىومناى ان اراك منفردة نتوحد فىالنظرة الواحدة على جدران الغرفة ويتقارب ظلنا فالاصل واحد  والشارع االضيق واحد والناس الذين يمرون عليك يمرون على الرائحة اشمها دوما فى شارعنا تعبق انوف النسوة فى الشارع فتنشر سلاما وحجة دون كلمة غيرها كلمتك يا منى البرج فليكنماذا ترانى؟ملكة فأين الثوب الملكى اذن؟ما رأيك بهذه الفيلا؟اتمنى ولماذا لم تكن لنا؟؟ويحترق الحبل الواصل بينى وبين الارض ..والمصعد غال وانت يا منى جميلة والهواء فى العال يداعب خصلاتك .ضمينى حتى نحتجز الاحلام فلا تقتلنا.انت خائف؟البرج يهتز بناوالوجوه من حولنا ذوو الشعر الاصفر السائح على غيونهم وهمهماتهم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تنوية

كتبها عبدالحكيم محمود ، في 15 أبريل 2007 الساعة: 04:59 ص

سارة تقابل القمر
sarah tkabl alkmr

تأليف: عبد الحكيم محمود 
سعر السوق: 3.00$

سعرنا: 3$

مدة التأمين: يتوفر عادة في غضون أسبوع


  • النوع: غلاف عادي، 21×14، 64 صفحة الطبعة: 1 مجلدات: 1
  • الناشر: الهيئة العامة للإستعلامات تاريخ النشر: 01/01/2005
  • يحتوي على: صور/رسوم
  • السلسلة: جوائز سوزان مبارك لادب الطفل اللغة: عربي
  •    


    النيل والفرات:المزيد

    أضف الى مفضلتك
    • del.icio.us
    • Digg
    • Facebook
    • Google
    • LinkedIn
    • Live
    • MySpace
    • StumbleUpon
    • Technorati
    • TwitThis
    • YahooMyWeb

    قصص العربى

    كتبها عبدالحكيم محمود ، في 13 أبريل 2007 الساعة: 22:23 م

    آيـــة الصحــراء

     و ………..فخرجت من ضلعى ، ودخلت بيننا  الشوارع  و العربات الفارهة والجمركية ، ذعرت وأطبق على يدك ، نظرت فى عينيك وقلت خلينى بقلبك  . إنى أخطط ملامحك وأعدلها كلما أكبر . ويكبر الأولاد ، فأراهم مع فتياتهم ، كلهن يشبهنك ، تفرقهن عنا الشوارع وإشارات المرور ، فتمر العربات ولا نعبر الشارع إلا بإشارته .يرهقنا السير ، نتحدث فى كل شيء ، أتحدث فى الفن تتحدثين في السياسة ، نختلف ، فتطرقين ، تكلمي ، تمرق العربات وتطل منها وجوه ، مكتنزة ووجوه أعرفها ولاتعرفني

    " فيما أنت شاردة ؟؟!! "

    ظهري في ظهرك عندما ، لم أقرأ كثيرا ولكنى أتفجر حباً لكل الشوارع التى مشيناها و التى لم ، قلنا نتقابل هنا فحاصرنى نفير العربات ولم يصلني صوتك,انتظريني كنا معاً أبعدتني عنك الإشارات ,كيف أردهم –الآن- وهم يتحوطونك ؟..أصرخ الصوت ؟؟!!

    يسوقونك إلى عرباتهم الفارهة ,العين أسقطت دمعة(فلما كان الظلام مخيماً,وجدتني سائراً, والبيداء حارقة , وكان "ورد"ينعم بليلى,فخارت قواى وإنسال الشعر مني) عبدالحليم بصوته الشجى يحرك لسانى ، " لو قلتها أشفى غليلى " الناس فى ميدان رمسيس يديرون وجوههم عنى ، ويتسربون فى الشوارع الجانبية ؛ بينما الواقفون ـ  بحكم الحاجة ـ يضحكون ، أدور باحثاً عن أشياء أحسها و لا تحس بى ، حتى هلك حذائى ، فرميته ودرت فى الشوارع التى كنا به

    المزيد

    أضف الى مفضلتك
    • del.icio.us
    • Digg
    • Facebook
    • Google
    • LinkedIn
    • Live
    • MySpace
    • StumbleUpon
    • Technorati
    • TwitThis
    • YahooMyWeb

    الدراسات النقدية للاستاذ العربى عبد الوهاب

    كتبها عبدالحكيم محمود ، في 13 أبريل 2007 الساعة: 21:09 م

    آفـاق الروايــة
    وأزمـــة الجيـــل

               

                اهتمت الرواية الكلاسيكية منذ أواخر الستينات باختراق أنماط الكتابة الروائية . كانت الرواية قد استنفذت أغراضها أو لم تعد تثير بشكل كاف معظم كتاب السرديات فى الرواية والقصة وتحديدا بعد أن ألقت النكسة بظلالها الكابية وانحسار المد الثورى وخواء الخطاب الأيديولوجى . كان من الطبيعى أن تظهر النزعات المتعددة عند الكتاب الذين لجئوا إلى اكتشاف مواطن الخلل ، ومواجهة فكرة البطل الاشكالى الذى يتعارك مع المجتمع بقيمه الاستبدالية مكتشفا زيفها واصلا إلى صيغة جديدة للتعامل . فتراجعت الواقعية التسجيلية على أيدى روادها فى مصر وبرزت أنماط من الروايات تمثل اختراقا للمعنى الكلاسيكى للبطل سائرين على درب الرواية الجديدة التى تقوم كما نرى على مجموعة من المعارضات . وإذا كانت المعارضات السالبة التى يراد بها مناهضة الأشكال والقوالب التقليدية للفن الروائى ، فإنها سرعان ما تتحول إلى قواعد إيجابية لبناء نوع فريد وثورى من القص (1) ..

    إن هذه النزعة نحو التجديد لم تجرف أيضا الروائيين إلى اعتناق رواية البطل المضاد حسب مفهومها الغربى وإنما قدمت البطل المهزوم ـ كما فى رواية سمير الفيل ظل الحجرة ـ وهشمت الشكل الصارم فاتحة أبوابا جادة للاستفادة من الرمزية فى كتابة الرواية السياسية كإفادة جمال الغيطانى من ابن إياس لاستشراف القاهرة المملوكية . ولكن إلى هذا الحد كانت خصوصية المكان واستيعابه بكل مكوناته التراثية والفلكلورية والشعبية لم تتبلور بعد .

    وفى هذا البحث نجد أن صلاح والى فى عائشة الخياطة لم يستفد فقط من الاسطورة بل خلق أسطورته الروائية وفعَّل الموروث الشعبى ليقدم رواية مغايرة تماما للواقعى وأضفى على الشخصيات بعدا عميقا مستوحى من الوعى القروى ورغم أن رواية عبد العزيز عبد المعز لعبت فى نفس المنطقة بالتنقيب فى أعماق ذلك الوعى . إلا أنها توقفت عند استلهام الخرافة وبعثتها من منطقة الظل من جديد وطرحتها على سطح الرواية فامتزجت دماؤها بدماء النص .

    عائشة الخياطة

     صلاح والى(2)

                إذا كان الفن رسالة تحوى عددا لا يحصى من الأسئلة المهمة التى تجوس فى خلجات الانسان بحثا عن ماهية الوجود وسر الحياة وتفرد الذات فالنص الأدبى يخلق ذلك المعادل الموضوعى عن واقع الانسان وعلاقته بذاته وبعالمه وهو ليس معنيا بالاجابة بقدر ما هو معنى بالسؤال والاحتواء والتشكيل الفنى الجديد والجيد الذى يتميز بقدرته على اختراق الوجود بحثا عن إجابة .

    رواية عائشة الخياطة تمتص هذا الوعى الجمعى بحكاياته الشعبية وخرافاته القديمة وأحلامه وأوهامه وكوابيسه وأسئلته التى لا تجد جوابا وشخوصه المدفوعين بحمى الكشف ورغبة الوصول وشخوص أخرى ذات قدرات خاصة هم حملة الأسرار كأبناء الآلهة القدماء فى الأساطير الإغريقية والفرعونية حطوا على أرض السكاكرة المكان الخاص / الأسطورى " كما قشرت السكاكرة عشب قدميها فكان الكون " ص 108 .

    إذن ثمة وجود خاص لقريته / السكاكرة فهى أول القرى التى أبدعها زارعو القرى " لهذا فإن إبداعا أشد تميزا ـ كوجود السكاكرة ـ لا بد أن تتبعه فترة راحة .. وهم فى راحتهم يدخلون إلى سراديب اليوم السابع ويتدفقون عرقا ويغيبون فى الضباب وتمضى فترات طويلة من الراحة ثم يعودون لاستئناف زراعة القرى أو مهام أخرى جديدة " ص117 .

    كأبناء آلهة من حواليهم تنتشر الشخوص العادية / النمطية الساعية لكشف المستور ومعرفة الأسرار رغبة  فى الوصول لكينونة الوجود الخاص بهم فهم يسعون لمعرفة حكاية عائشة الخياطة فيتعثرون فى فاطمة السبعة أمها وفى شلبية وحبيبة وحنونة وست الدار وهؤلاء من ذوى القدرات الخارقة يرون  الكافورة تسقط فجأة ثم تنهض والمحشى ينضج على كوانين النار فى بيت حبيبة ولا أثر له حينئذ يكتشفون أنهم عند أول طريق المعرفة يحومون كالفراش حول النار .

                ولأن الأسطورة حاولت أن تجسد الوعى لدى الإنسان الأول تجاه الكون لتعكس رغبتهم فى اختراق السر والمعرفة فهى حسب تعريفها الوظيفى لفراس السواح " هى قصة تعليلية تفسر الأبطال والمعتقدات وغيرها وغرضها تفسير وجود العالم والحياة والموت والإنسان والوحوش والطقوس المقدسة والعادات وما إلى ذلك من الظواهر الغامضة" ( 3) .

    أيضا تولدت الخرافات والحكايات الشعبية بعدما عرف الإنسان الإستقرار والتجمع وظهرت القوانين وتشكل الوعى الجمعى فتحدد الزمان وتعين المكان وتبلورت الحكايات حاملة معان أخرى أقرب للإدراك كما جاء فى رواية عائشة الخياطة وهو تنمية تلك الحكايات بل وتوليدها / خلقها .

                فهل توقف الكاتب عند استعراض حكايات الجن والعفاريت وتصوير خوارقهم بينما الإنسان يقف مصابا بالدهشة والارتباك .

    إنه تجاوز تلك النظرة التقليدية للموروث الشعبى بل قام باختراقه بشخوص كفاطمة السبعة المولودة لخلاصة سبع عائلات من الجن والإنس هى خلاصة الغناء وروح المكان المحتشد بالغموض والخرافة وإليها تنتسب عائشة الخياطة مع إحاطة مولدها بالغموض وتعدد الحكايات حولها وعدم تحديد من تكون أمها أهى حبيبة أم شلبية أم حنونة أم فاطمة السبعة وانتقالها / ولا أقول موتها حين تتحول إلى هشيم / كعالم الجن الذى يموت محترقا ومتحولا إلى رماد ثم حلولها فى عائشة جديدة يجعل منها شخصية أسطورية .. وامتلاك شخوص كشلبية وعائشة وحبيبة والعم حفنى وعثمان النجار لقدرات خاصة / خارقة أليس هو الآخر تكوينا أسطوريا يقترب من أبناء الآلهة فى الأساطير القديمة ، الذين هبطوا ليعيشوا بين الناس وليس بينهم وبين الآلهة حجاب . ولا فارق بين العوالم السفلية والأرضية .. الكاتب فى الرواية يعيد انتاج الحكايات الشعبية والأسطورية روائيا مشكلا أسطورته الخاصة لقريته ذات الطابع والقدرات الخاصة أيضا من خلال شخوصها وأشجارها ومائها وحكاياتها وعوالمها الغرائبية / العجيبة فى بناء روائى متميز .

    البناء الفنى  :        

                اتخذ الكاتب فى بناء روايته ثلاث مستويات سردية متداخلة ومتجادلة تنهض بتشكيل الرواية ويتبلور خلالها الوعى الشعبى والأسطورى والرؤية الكونية .

    أولا ـ سرد واقع السكاكرة فى حالاتها الطقسية ومواسم الحصاد وتزاوج الكائنات والأفراح وتجمع الصحبة الليلية للسمر من خلال مجموعة شخوص نمطية هى شكرى وحنكش وسعيد المتوكل والرمح والشيخ عباس وأهالى السكاكرة الذين يتحلقون حول من يفتح باب الحكايات ولأنها شخوص يؤرقها السؤال تبحث دوما عن الحقيقة وتناقش أصل ووجود الحكاية الشعبية وتحاول كشف الغموض والإلغاز الملتبس حولها للوصول إلى ماهية المكان وشخوصه الأسطورية كعائشة الخياطة وغيرها .

                هؤلاء الشخوص يتوسلون بآخرين ذوى مكانة خاصة لأنهم يمثلون أصل القرية وحملة تاريخها ودائرة معارفها وسرها المكنون كالعم حفنى وعثمان النجار وشلبية لذلك تتكرر لقاءاتهم الليلية ، خلاصا من وحشة الظلام وضيق النفس يبتغون تسلية لياليهم الرتيبة وحياتهم الغامضة فيواجهون الحكايات والخوارق ويعودون دوما برغبة أشد . تدل تلك الشخوص برغائبها الغامضة على محاولاتها الدائبة فى اختراق ما وراء الواقعى ويمثلون بلقاءاتهم وأحاديثهم نبض القرية على المستوى الواقعى عاكسين مكنون الوعى القروى وولعه بعوالمه الغرائبية مشاركين بذلك فى تنمية هذا الوعى وأيضا فى خلق وحدات سردية تهاجم الشخوص الأخرى ذات الوجود الأسطورى والشعبى وتحوم حولهم دون الوصول . وهى فى ذات الوقت شخوص تعمل فى الرواية كأدوات فنية تفتح مجال الإلغاز والتشويق وتفعيل السرد وبلورة صورة تلك المجتمعات القروية الآخذة فى الزوال مؤكدة ـ من خلال رؤية الراوى ـ أن سعيها وسؤالها عن هذا الغموض يقودها إلى أسرار عجائبية أخرى تستحق الاهتمام والاحتمال من أجل الوصول إلى المعرفة وفك شفرات حياة القرية بكل أبعادها الأسطورية . يرون الكافورة تسقط فجأة أثناء التفافهم حول شلبية أمام حقل الذرة لتفسر لهم طلاسم نسب عائشة الخياطة والقطة السوداء ومروقها من جدار بيت عائشة فيفرون هلعا بينما سعيد المتوكل يشاهد الأغرب نهوض الكافورة مرة أخرى وهم بسؤالهم وعدم تصديقهم للوجود الأسطورى لعائشة الذى ترويه شلبية والعم حفنى تصعقهم رؤية الكافورة ومشاهدة سعيد المتوكل فلا يصدقهم الشيخ عباس ويلح فى سؤال شلبية فى موضع آخر فيشاهد بعينه مرة أخرى سقوط ونهوض الكافورة فتصيبه حمى الرؤية ويعالجه عثمان النجار برقية شعبية هو وحده الحامل أسرارها " قال عمك عثمان النجار : السبع كلمات المنجيات التامة والكاملة . فنسى عمك عباس ما حدث له وذهبت عنه الحمى إلى بلادها " ص93 .

    حتى عائشة تتوقف أمام موت الرمح وهى ذات علم بالعوالم السفلية ومن حملة الأسرار أمام علم ومعرفة عثمان النجار شاهدة بقدراته الأكبر منها .

    وهذا المستوى السردى يمثل الشريحة الأكبر من الرواية ويخلق جدلا يتجاوب ويقترب أحيانا من واقعية حياة القرية فى حركتها ومراسم طقوسها حتى يكاد الراوى أن يختفى تاركا مساحات للحوار ولتبادل وجهة النظر بين شخوصه مما يمنحهم حرية التواجد والتحقق . شخوص الرواية تتنوع حسب مستوى قربها أو بعدها عن العوالم الخفية للقرية فشخوص المستوى السردى الأول تقف عند تخوم هذا العالم يصدمها وعى أكبر من قدراتها وطاقاتها الإدراكية فلا تملك إلا أن تصدق ما رأت وإن تنافى هذا مع التموضعات الواقعية وهذا ما يرسبه ويؤكده الفكر الأسطورى .

                وشخوص أخرى ذات حياة خاصة وقدرات خارقة تتبلور فى عائشة الخياطة وفاطمة السبعة والعم حفنى وعثمان النجار وشلبية وحبيبة وحنونة هؤلاء يقومون بخلق الأسطورة الروائية ويشكلون سياقا سرديا آخر .

    ثانيا ـ خلق الأسطورة وتوليد الحكايات الشعبية وحكايات الجن ويتم فى هذا السياق السردى المزج بين عالم الجن وعالم الإنس بين الواقع والخفى ـ الإدراك وعالم الأسرار وبين الشخوص فى السياق الأول والشخوص الأخرى ذات القدرات الخاصة .

    فاطمة السبعة جاءت تتويجا لهذا التزاوج بين عالمين فأمها من خلاصة ثلاث عائلات من الإنس / المغنيين ووالدها الجنى الأحمر الذى هام بأمها حبا من خلاصة تزاوج ثلاث عائلات من الجن الأحمر والأسود / المغنيين أيضا .

    وبمولد أم فاطمة ـ ماتت عائلات الإنس  .

    وبمولد الجنى الأحمر ـ ماتت عائلات الجن .

    تلك الملامح فى التزاوج تعكس وعيا أسطوريا نفاذا .

    " وفى إحدى المرات كان الحيض قد أتى أم فاطمة فذهبت لتستحم وهناك ظهر لها الجنى وأخذ ملابسها فغنت له فحن وأعطاها ملا بسها من الماء وعادت معه إلى الخارجة عشقها الجنى أكثر من الأول وإن كانت مازالت تخافه ، فظهرت أغانى الهجر والعشق والصد واللوعة والحب " ص41 . واتفاقهما على الزواج كان بشروط أربع : منها أن يغنى كل واحد منهما للآخر ألف ليلة والأحسن غناء تكون العصمة فى يده وكسبت أم فاطمة الرهان .. من يحمل كل تلك الأسرار ويحكيها هو العم حفنى فى ليلة ممطرة سمع فيها أهل السكاكرة غناء فاطمة السبعة حيث تراقصت جدران السكاكرة وكل موجوداتها . وبنفس هذا الطقس تولد عائشة الخياطة آخذة رقبة فاطمة السبعة فى إطار عجائبى فريد لم يرد من قبل " فقامت فاطمة واستحمت هى والمولودة ثم أمسكت السكين وفصلت رأس الطفلة عن جسدها والرقبة عن الرأس ووضعتهما جانبا ثم أشارت لحبيبة لتكمل ، فقامت حبيبة بفصل رأس فاطمة عن رقبتها ثم عن صدرها ثم أبدلت الرقبتين معا " ص46 .

                وما كل تلك الأفعال الأسطورية إلا لكى يتبقى الغناء ويمتد فى ربوع وبين جدران السكاكرة لأنه يمثل امتداد الحياة وخصوبتها كما نلاحظ ذلك عندما غنت عائشة فى موسم الحصاد زادت الغلال وفاضت . ثمة علاقة روحية بين الغناء وصفاء الروح وتجليها بين الأسطورة وحياة القرية ، فبدون هذا الغموض الذى يكتنف الشخوص ويتولد فى الحكايات ليس ثمة خصوصية أو تميز . لهذا تلتحف عائشة بالأستاذ أحمد وتتوحد معه عبر مستوى لغوى يصل إلى درجة الحلول والتماهى الصوفى حيث أن الأستاذ هو الموكل بحمل الرسائل وتوصيلها بعد عائشة وإبلاغها للناس ( ربما يكون ذلك الإبلاغ على المستوى الدلالى هو سرد الكاتب لروايته تلك عن عائشة ووجودها الأسطورى المتضمن حياة قريته بكل أسرارها وشخوصها ) وعلى مستوى الحكاية التعليلية تتخلق أسطورة البرتقال بدمه نتاجا لاقتتال الجنى المارق الطامع فى فاطمة السبعة مع والدها الجنى الأحمر وتنتهى المعركة بقتل الأخير فتتشرب أشجار البرتقال دمه وفى العام التالى تثمر برتقالا بدمه .. وتتزوج حبيبة بالرمح بعد زمن طويل ـ من السيطرة عليه بقوتها الخفية ـ تحت الماء فى إشارة إلى حدوث طوفان إذا تم

    المزيد

    أضف الى مفضلتك
    • del.icio.us
    • Digg
    • Facebook
    • Google
    • LinkedIn
    • Live
    • MySpace
    • StumbleUpon
    • Technorati
    • TwitThis
    • YahooMyWeb

    تواضع الابطال

    كتبها عبدالحكيم محمود ، في 13 أبريل 2007 الساعة: 20:40 م

    قصة قصيرة للأطفال

    " المناقشة القادمة موضوعها ما البطولة ؟ على الجميع الاستعداد "

    كان هذا هو عنوان اللوحة المعلقة فى بهو المدرسة منذ أسبوع ..

    فقد كانت الأستاذة إيمان قد بدأت مع فصلها طريقة طريفة لدفعهم نحو الاطلاع والبحث وإثارة شهيتهم بشتى الطرق، كانت أحيانا تقص عليهم حادثا طريفا من كتاب لم يقرءوه فيثير فيهم غريزة حب الاستطلاع فيطلبون منها المزيد لكنها لا تجيبهم إلى طلبهم وتقول لهم فى حزم "هاتوا الكتاب واطلعوا عليه" .. وقد تقص عليهم طرفا من قصة ثم تقطع حديثها عند النقطة التى تشعل فى نفوسهم لهيب الشوق وتقول لهم "تستطيعون أن تقرءوا بقية القصة بأنفسكم" وكانت هذه الطريقة تثير غيظ نبيل بصفة خاصة ، وكان هذا الفتى قليل الصبر لا يطيق أن يظل متشوقا لمعرفة مصير أبطال القصة فكان يقول لها فى رجاء حار "أخبرينا فقط هل ستنتهى القصة نهاية أمنية أم محزنة أرجوك يا أستاذة إيمان أن تخبرينى " .ولكنها ترفض ضاحكة ..

    كانت المناظرة تحت رعاية إدارة المدرسة ، وأخذ كل شخص يستعد ، لها وزاد الاقبال على المكتبة للإطلاع على الكتب التى تبحث فى سير عظماء الرجال والحروب قديمها وحديثها .

    وكان على سامح مساعدة الأستاذة إيمان فى إدارة المناقشة ودعوة الضيوف ، فى البداية وقف سامح لإلقاء كلمته وقال "يجب على الجميع المشاركة فى الإجابة على السؤال المطروح ولكنى من وجهة نظرى أرى أن هناك تعريف لا نزاع فيه وهو أن البطولة هى العمل الذى يُبذل فى سبيل الدفاع عن قضية عادلة والذى يمليه مثل أعلى رفيع ، ولنبدأ الحديث على من يريد الحديث أن يرفع يده" .

    تقدمت هالة قائلة "هل لى أن أوجه سؤالا ؟ لنتصور بيتا تشتعل فيه النيران ، تندلع ألسنة اللهب فى السماء وفجأة تصرخ إحدى النساء لأن طفلها الرضيع وقع فى فخ البيت المحترق ؛ فإذا بك تندفع فى غمار النيران وتجازف بحياتك فتشق طريقك وسط اللهيب وتعود أخيرا وقد أصابت جسمك الحروق ، وتحمل الطفل بين ذراعيك هل نسمى هذا العمل عملا من أعمال البطولة ؟" .

    قال طارق متعجبا "هو كذلك بكل تأكيد ولكن ماذا ترينه أنت ؟" .

    قالت " لو أن هذا الإنسان فعل ذلك بقصد الرياء ؛ ألا يدلنا ذلك على أن المهم هو العمل نفسه ونتيجته وليس الدافع الذى يدفع للقيام به" .

    عند ذلك تعالت الأصوات وأخذ كل واحد يتكلم فى نفس الوقت ثم انبعث بالتدريج صوت استرعى انتباه الجميع "إننى لا أوافق على هذا إن الشخص الذى لا يستطيع أن يقوم بأى عمل من أعمال البطولة  إلا أمام الناس أبدا لا يجازف بحياته ، عندما لا يراه أحد ؛ لأن هذا الشخص تسيطر عليه عاطفة الغرور والطموح الأجوف ، يفكر فى نفسه قبل كل شئ ، وليس على استعداد للتضحية ، وهو ما يخالف أى معنى من معانى البطولة" .

    صاحت الأستاذة إيمان "أيها التلاميذ .. اطلبوا الكلمة ثم تقدموا إلى المنصة نريد أن يقول كل كلمته ، ويعبر عن رأيه دون أى تشويش ويجب على الجميع أن يلتزم بأدب الحوار الذى تعلمناه" .

    رفع صلاح يده طالبا الكلمة "هل كل شخص خاطر بحياته يعد بطلا ؟ إن الناس الذين تجردوا من المبادئ يستطيعون أن يأتوا بأعمال البطولة بهذا المقياس فهل المجرم الذى يخاطر بحياته وهو يمارس إجرامه ، ينطبق عليه تعريف البطل ؟" .

    هنا جاء دور سمير ليقول "نعجب دائما بشجاعة الذين يضحون بحياتهم دفاعا عن الحقيقة ، فالبطولة هى شئ تحدده عدالة القضية فلا توجد بطولة مجردة من الهدف ، إن العمل الذى يبذل فى قضية جليلة هو الذى يمكن أن يسمى عملا من أعمال البطولة ، لكنكم تقرنون البطولة بشئ موقوت يتضمن المخاطرة بالحياة ، فهل ذلك هو ما تعنيه البطولة ؟" .

    تناولت الكلمة الأستاذة إيمان قائلة "كلا بالطبع .. ولكن ما بال البطولة العادية اليومية التى يقوم بها العامل الذى يحافظ على آلته وقت الأزمات ويتجاوز الخطط التى رسمت له ، ويحقق إنتاجا فائضا ينفع مجتمعه ، إن أمامكم جميعا فرصا كبيرة لتصبحوا أبطالا بوسائلكم الصغيرة إن فترة الشبا

    المزيد

    أضف الى مفضلتك
    • del.icio.us
    • Digg
    • Facebook
    • Google
    • LinkedIn
    • Live
    • MySpace
    • StumbleUpon
    • Technorati
    • TwitThis
    • YahooMyWeb